الأحد 14 يوليو 2024| آخر تحديث 9:13 02/24



الفن الذي نريد:

الفن الذي نريد:

كلما هممت بفتح إحدى “قنواتنا” المعدودة على رؤوس الأصابع إلا وأحضرت إلى جانبي إناء فارغا حتى لا تتسخ ألبستي وأفرشتي بقيء قد يذرعني حالَ بث مسلسل يتناول هموم سكان غير كوكبنا الأرضي محاولا تجاوز جميع الوقائع التي تحيط بأبناء هذا البلد الحبيب، يلعب بطولته أناس لا علاقة لنا بهم لا من قريب أو بعيد. بطونهم ملئى حتى التخمة وعقولهم لا تنصرف إلى ما يهمنا كمغاربة لنا هويتنا عليها نحيا وفي سبيلها نناضل صباح مساء.    ذات يوم وأنا جالس في مقهى شعبي من المقاهي أرتشف قهوتي المسائية إذ أثار استغرابي بعضا من الناس يصوبون عيونهم نحو شاشة “البلازما” على الجدار تظهر على محياهم أمارات ظلم بني آدم لا هم يتحركون ولا هم يأكلون أو يشربون ما طلبوه من صاحب المقهى إلى درجة أن أحدهم يحمل قدحا حتى إذا خاف أن تفوته لقطة من اللقطات تسمّر كأنما اشتغل من ذي قبل بآلة للتحكم عن بعد، لا هو شرب فيرتوي ولا هو وضع ذلك القدح فيستريح. نظرت إلى ما ينظرون إليه فإذا بدوار قد أصابني فغادرت مسرعا حتى لا يكلفي صاحب المقهى المتربص عناء تنظيف المكان! ومنذ ذلك الحدث احتفظت في ذهني بالكثير من الأسئلة أتمنى أن أكون محظوظا في الإجابة عن بعضها كما  يلي: ما الفن؟، أليس لنا فن؟ ثم : ما الفن الذي نريد؟
   كثر الحديث عن معنى الفن كغيره من النشاطات البشرية الأخرى، لكن بالنظر إلى أقربها واقعية يمكن اعتبار الفن: “شكل نوعي من أشكال الوعي الاجتماعي والنشاط الإنساني، يعكس الواقع في صور فنية، وهو واحد من أهم وسائل الاستيعاب والتصوير الجمالي للعالم”. فالمسرحية التي تتناول موضوع التهميش المضروب على قرى المغرب العميق والشعر الذي يعالج مشكل اغتصاب أراضي الرجال الأحرار، أو اللوحة الزيتية الجميلة التي تصور ما يواجهه المرضى في مستشفياتنا و المسلسل الذي يوضح جليا سبب تقبيل “السيكليس” حذاء إنسان “مرموق” في مغرب القرن الواحد والعشرين يمكن اعتبارها جميعا فنونا لأنها تعكس واقعا معيشا يواجه مواطن اليوم صباح مساء. أما مسلسلات تركيا أو المكسيك التي تفصلها بنا البحار والمحيطات فلا أظنها فنا عندنا نحن المغاربة إلا إذا شبع الجميع وحقق اكتفاءه من الخبز وضروريات الحياة. فآنذاك يمكن له أن ينظر مخلفات “مصطفى أتاتورك” و”عصابات أمريكا اللاتينية ليسأل نفسه بعد ذلك: هل للمغاربة أن يستوردوا ما طُرح في مزبلة السينما التركية أو المكسيكية؟! وهل لهم كذلك أن يستقطبوا لهذا البلد شخوصا لا تمت لنا بصلة في مهرجانات “مغرب الثقافات” هنا وهنالك.
   غير بعيد عنا توفي الممثل المغربي “حسن مضياف” عن سن يناهز 57 سنة بعد أن قتلته وسائل الإعلام غير ما مرة. كان المسكين مريضا طريح الفراش والأقلام تؤلف عنه الشائعات. فمات بعد ذلك. مات ميتة كما يموت البشر وعلى محياه أمارة البؤس والفقر واللامبالاة في الوقت الذي تعرض القناة الثانية مسلسلات أجنبية لا تساوي إلى جانب أعمال الفقيد شيئا. مات الكتاب والنقاد ومات الشعراء فبخل إعلامنا من أن يمنح  ولو دقيقة واحدة  تكريما لهم على ما قدموه في سبيل هذا الوطن. مات الدكتور “فريد الأنصاري” مؤلف رواية: “كشف المحجوب” وهو العالم الكبير الذي تربع على الكراسي العلمية سنين يلقن مبادئ الأدب والفن للصغير والكبير. وبعدها لم نشهد ولو تكريما بسيطا له في ثنايا إعلامنا البئيس. مات الكثير فنسوهم وتناسوهم مع تقلبات الدهر.
   إن من رأى فنانينا طريحي الفراش سيفكر ألف مرة قبل أن يلج عالم الفن وهو في هذا البلد. إن كان شاعرا سيترك الشعر نحو التجارة، وسيهجر الكاتب قلمه نحو الفلاحة والممثل سيمارس مهنة التسول عبر إرساله فيديوهات في “اليوتوب” طالبا المساعدة من ذوي القلوب الرحيمة وهكذا دواليك حتى ينقرض الفن الذي يسلط الضوء على كوامن المغاربة قاطبة فيبقى بالتالي ذلك الزبد الذي لا يغني ولا يسمن عند أهل الأذواق. فلا تعجبوا إذن إن صاح بين الناس يوما غيور على ثقافة وفن هذا البلد المسكين مطالبا برد الاعتبار لهويتنا ولثقافتنا في كل مناحي الحياة حتى إذا ولج أحدهم قناة عمومية وجد “ستوديو دوزيم” يعلن التباري في فن “أحواش” أو “الطقطوقة الجبلية” حسب المناطق والجهات. وإذا ب”موازين” يقلب الطاولة على لوبيات الفساد فيصر على عرض مسرحية أمام الملايين لشباب قرى المغرب العميق وهي تصور المعاناة مع زحف الرحل أو تحديد الملك الغابوي أو بكل بساطة مع شيء يسمى أخيرا عندنا: “رخصة بناء” في وسط مقفر موحش، وهم يرددون بقلوبهم: هذا هو الفن الذي نريد، فهل من مستجيب؟!
بقلم: احمد اضصالح – [email protected]