الأحد 14 يوليو 2024| آخر تحديث 2:37 02/23



السينما، السياسة و الجسد

السينما، السياسة و الجسد

السينما، السياسة و الجسد

لا بد أن أناسا كثر يشعرون بالإنزعاج كلما ارتبطت هذه المفردات الثلاث في سياق متداخل اذ تذكرهم بمصطلحات قد تبدو أنها نمطية و متكررة متناسين رمزيتها في اطار متغيرات متلاحقة في العلوم و التقنيات و توظيفاتها الثقافية و الإيديولوجية، و في ظل تـدويل اقتصادي و عولمة ثقافية و استلاب تواصلي.
 

السينما و التماس السياسي 

تعد الأعمال الفنية، و من ضمنها السينما، فضاءات تلتقي داخلها مختلف الممارسات الفردية الخلاقة و تنعكس من خلالها مختلف التصورات المجتمعية و التجارب الإنسانية، مما جعلها حقلا خصبا للبحث و التنقيب في ارتباطات التواصل بالدلالة وعلاقات المرسل بالمتلقي. بديهيا، لا يجب أن ننسى أن السينمائي هو في آخر المطاف مواطن عادي يواجه مختلف التأثيرات السوسيو- سياسية في حياته اليومية ويتنفسها مع هواء مثقل حد الإشباع بالتيارات الفكرية و الإشكالات المجتمعية محليا و دوليا. و بالتالي، فهّّّّّّذه التاثيرات تطارده حيثما كان في ظل انفجار تواصلي رهيب، مساهمة في تشكيل وجدانه و تحديد رؤيته لواقعه. و من تم، لا يمكننا أن نتصور أن ابداعا ما كيفما كانت طبيعته – و خاصة الإبداع السينمائي – هو ابداع متحرك في فضاء شفاف أبيض. فطالما ظل البشر مختلفين في المرجعيات و المصالح، و طالما ظل المجتمع مبنيا على عوالم متداخلة، حضرت السياسة بوجه أو بآخر. 

ان السينما، و الإبداع عموما،  لا يعملان في فراغ، بل يستحيل فهم عمل سينمائي دون قراءته من منظور سوسيو- سياسي. غير أن مناطق التماس هذه تتفاوت من ناحية المدى و النوع و من حيث اشتقاقها من المجال الحيوي للحياة الإجتماعية. ليس ثمة جديد مطلقا في القول بأن السينما هي الوسيط الذي يخلق أعمق مناطق التماس مع الحيوية المجتمعية والدينامية السياسية. فنحن نتحدث اذن عن وسيط تتعدد فيه القنوات التي تتسرب من خلالها معطيات ثقافية واجتماعية و سياسية و ان بدرجات متفاوتة من القوة و الوعي و الإدراك. و من هذا المنطلق يتم استغلالها كأداة للإتصال الرمزي و التواصل الجمعي لقدرتها الهائلة على المزامنة مع االأحداث و الإقناع بالصوت والصورة و تشكيل المخيال، في مركب جمالي و اتصالي نترك تحليله للنقاد المختصين. 

ان ما يهمنا في هذا المقام هي سلطة السينما في التأثير على المتلقي، اذ غالبا ما يتفاعل المشاهد اما ايجابا أو سلبا مع المنتوج السينمائي، بل و يسقط تصوراته و تجاربه على هذا المنتوج في تداخل اما مع أو ضد المادة الإبداعية، مما يجعل مساحة التماس بين الأفلام السينمائية و الواقع الإجتماعي و السياسي عميقا و معقدا للغاية. عميقا و معقدا لأن كل هذه المكونات تغترف بطريقة واعية و لا واعية من ثقافة مجتمع ما و تشكل مصدره للممارسة الجمالية و الإجتماعية و السياسية بكل ما تحمله كلمة ثقافة من دلالات مرتبطة بالقيم و أنماط التفكير و اساليب الحياة. و حسبنا أن نقف مليا عند ارتباط الإبداع بمنظومة القيم و الأخلاق لأن الحديث فيه ذو شجون. 

السينما و الجسد

لقد اهتمت الثقافة المعاصرة بالجسد الإنساني باعتباره تجسيدا للوجود و اتجهت دراسات فكرية كثيرة نحو البحث في مكانة الجسد و دوره في حياة الإنسان. و قد اتسم بعضها بالتركيز الكبيرعليه، لاسيما في مجالات الفن و الإبداع 

من المستحيل أن نتصور عملا سينمائيا لا يحضر فيه الجسد / الممثل، فهو الحامل للخطاب و المجسد للرؤى و المرسل للإشارات. انه تجسيد للأفكار  والعواطف و الإنفعالات، في حين أن المكونات الأخرى تبقى مكملة لهذا الجسد و زخرفا على بناء حركيته. فالمشاهد يسمع بعينيه أكثر مما ينصت بأذنيه. 

هناك اذن ممثل و هناك متفرج، بهما و من خلالهما تتحقق الفرجة. ومن تم فان لهذا الجسد / الممثل وظيفة سامية، وظيفة خلاقة تحمل قيمة فنية وجب أن تنبع من الطهر و السمو حتى يحافظ هذا الجسد على رسالته و قدسيته. فالممثل الذي يكرس جسده من أجل أداء لا أخلاقي يكون أداءه أقرب الى السفالة والعهر منه الى التربية و التنوير. ان الفن عموما، و السينما خصوصا، لا يجب أن تتأسس على بيع الجسد في سوق النخاسة. انها لتعاسة حقيقية أن يساوم الفنان بجسده و يعمل على تسليعه كيفما كانت غاياته و مقاصده. 

لقد تناسى دعاة تشييء الجسد أن كل اناء بما فيه ينضح و أن الجسد في كل الأديان و الأعراف هو وعاء للروح و أن البدن حامل للنفس و أن الجسم هو مستودع الفؤاد، و من ثمة فان الحضور الجسدي في الإبداع السينمائي هو بديهيا حضور للإنسان بمختلف مكوناته و مستويات خلقه. انه آية وحجة، و من هذا المنطلق فقد دعي الإنسان الى التأمل في جسده و ادراك كنهه و حسن التعامل معه، بل و الإستجابة لمطالبه و ميولاته لكن في حدود النهج الذي يحفظ كرامته وفق منظومة أخلاقية و قيمية تؤطر كافة ممارساته الوجدانية و السلوكية، حتى لا نسقط في مشاعية بهيمية مقيتة. 

الشاهد اذن أن الفن السينمائي هو في جوهره رسالة اجتماعية و سياسية وثقافية من أجساد ( ممثلين و مخرجين ) تجاه أجساد   ( متفرجين ). و من هنا فلا أحد ينكر أن لمؤسسة السينما مضمونا توعويا و أخلاقيا أكثر منه شيئا آخر، انها مرآة عاكسة لذواتنا و أفكارنا و انفعالاتنا، انعكاس مبدع لآلامنا و آمالنا، لذا وجب أن تروم التسامي بأرواحنا و المساعدة على مقاومة أهوائنا و تنقيح أذواقنا، لا تهييج غرائزنا و رمي قيمنا في مطارح النفايات. فالسينما تأخذ صبغة تربوية و تقويمية وتطهيرية في تكامل و تماهي مع باقي مؤسسات التنشئة الإجتماعية. 

 انها مدرسة لتكريس الذوق السليم و تقويم الإعوجاج السلوكي و الأخلاقي، سينما ترتقي بالقيم الإيجابية و توقظ الضمائر الميتة من غفلتها في تناغم بين الجمالي / الفني و المنفعي / الخلقي، وفي توازن بين الحق في التعبير و الوقوف عند عتبات الإسفاف و التفاهة والمجون: فن سينمائي يقوم على الفكر الإبداعي و الضابط الأخلاقي، بكل ما للمصطلح من حمولة كونية. 

لقد تناسى دعاة فصل الفن عن الأخلاق أن الحق في التعري اللفظي و الجسدي لا يزيدنا الا انحطاطا على انحطاط، فبدل أن نعطي بديلا أسمى و أنقى و أرقى، نعمل على تكريس ما هو كائن على علاته و عاهاته. و اذا كان هذا حق المخرج، فأين هي حقوق المشاهد بمختلف فئاته العمرية والفكرية؟ من اللازم على ” مبدعينا ” أن يعلموا يقينا أنهم مسؤولون عن مؤسسة استراتيجية في تشكيل الفكر و الوجدان، و التي ان لم تؤدي دورها ايجابا في مجتمع لا يزال يعاني من سياط أمية و هشاشة مركبين فلن نستطيع تجاوزهما اذا ما كرسنا أنفسنا بالصوت و الصورة كمزبلة قيمية و أخلاقية تحت مسمى الحرية المطلقة و الواقعية الإبداعية. 

فالصناعة السينمائية ليست تعبيرا فنيا فقط، بل تجارة قائمة بذاتها لها من الإمكانات و الخبرات ما يؤهلها لترسل شيفرتها بأفضل الطرق و أنظفها بعيدا عن التوسل بأوسخ الصور و ارخص الكلمات و أرذلها، في عنف رمزي ممنهج يمول و للأسف من أموال دافعي الضرائب و المواطنين البسطاء البعيدين كل البعد عن أي تجاذب سياسي أو استقطاب ايديولوجي.

فمتى اذن نركز على أخلاقيات الفن السينمائي كاساس أولي للتقييم قبيل أي نقاش تقني صرف،و بعيدا عن القول المجانب للصواب بأن المشاهد هو الذي يحل ضيفا على السينما و ليس العكس؟ 

فرجة ممتعة ان استطعت أن تتمم ماتشاهده عيناك و تتلقفه أذناك …