الأحد 26 مايو 2024| آخر تحديث 11:50 02/12



من لك يا ابن القرية؟!

من لك يا ابن القرية؟!

وأنا حامل قلمي لأخط هذه الكلمات، تذكرت الأيام الخوالي حيث البراءة تسري في عروقنا مجرى الدم. نلعب مع بعضنا ألعابا بسيطة في ساحة المدرسة غير آبهين بما يختلج صدور أساتذتنا الذين شاءت الأقدار أن يتواجدوا بيننا آنذاك. لم يكونوا يعرفون سبيلا للتملص من مسؤولياتهم رغم قسوة الظروف. كان أحدهم من مدينة الدار البيضاء مع زوجة له. كان لا يحسن الأمازيغية فأراد تعلمها. سألني مرة ما مرادف “جمل” بالأمازيغية؟ استنجد الغريق بالغريق فغرق الجميع. قلت له وأنا الذي لا أفهم الدارجة المغربية ولا العربية الفصيحة: “جمل هو جمال” اسم ولد طبعا. هذا حالنا كلما أردنا التجاوب معه نطقنا كلمة عربية أو شبهها مدرجين إياها في جملة أمازيغية. إنه المخرج الوحيد لمثل هذا المأزق. كان ذلك الأستاذ يفكر كثيرا دون أن يبوح فيم يفكر؟ كان حَالَ التفكير يحدق في جدران القسم وسقفه. لكن اليوم عرفت، بعد فوات الأوان. لقد رابط معنا في قريتنا البعيدة هو وزوجته المسكينة تاركين أضواء الدار البيضاء الساطعة وراءهما فصارت الشموع لهما بالمرصاد في منزل من طوب فقط إن كان الحظ حليفهما.

هكذا إذن كلما مر شريط الطفولة أمام عيني أتألم حينا. أيام الإعدادي خمسة عشر كيلومترا كل صباح اثنين قبيل الصبح أو بعده بقليل نقطعها فوق وسائل نقل يمتزج فيها البشر بالبقر. ذات مرة ركبنا مع بقرة وولدها المسكين. كان ينظر إلينا بإشفاق. ولكنه مجرد عجل صغير, حتى نحن عزيناه في موقفه, هذه حالنا وحال من درسونا جزاهم الله عنا خير الجزاء فلولاهم لما تعلمنا حرفا, لأن القرية ذنبها أنها كذلك: لا ماء, لا كهرباء ولا طريق…

   عُرض عشية الخميس الماضي برنامج لمناقشة “الحركة الانتقالية”. لا أظن أن رجال التعليم ونساءه شاهدوه جميعا, وخاصة أولئك الذين رُفعت لهم تحيات النضال غير ما مرة ف “تحية نضالية لهم مجددا”. إننا ونحن في خضم النقاش والحوار العام حول هذا الموضوع وجب استحضار البعد الإنساني له حتى يعرف الجميع لِم هنالك مطالب بتدبير هذا الملف بشكل يرضي جميع الأطراف. فمثلا، إعطاء الأولوية للمرأة التي تريد الالتحاق بزوجها –وفق مشروع المذكرة الإطار الحالية- يعد من “التمييز الإيجابي” الذي لا أظن أنه سيرضي الجنس الآخر وفقا لما تحمله إلي أذناي كلما تجاذبتُ أطراف الحديث مع أحدهم، وخاصة أصحاب ربات البيوت الذين ما إن يذوقوا مرارة انتظار الحلم حتى يتمنوا صادقين لو تزوجوا يوما موظفات مثلهم لاجتياز مصاعب حياتهم تلك. ونفس الأمر ينطبق على العازبين عامة. لأن الأحرى اعتماد مقاربة موضوعية تتأسس على معايير محددة حتى لا يقضي الرجال حياتهم على شعب الجبال في المغرب العميق، فهذه هي “المساواة” على حد علمي إن لم يتطور المفهوم حديثا دون سابق إنذار. لتبقى الشفافية والوضوح دعامتين لا محيد عنهما لتحقيق حركة انتقالية تضمن تكافؤ الفرص للجميع.

   إن العالم القروي ليس خارجا عن المغرب حتى يُتهرب منه إلى حد هذه الدرجة التي نلمسها اليوم. حقيقة مرة ينبغي الوقوف عندها وفهمها جيدا قبل الخوض في جميع الحيثيات المرتبطة بالموضوع. فتلاميذ قمم الأطلس الكبير يريدون مدرسا يعلمهم وأبناء الأطلس المتوسط البارد كذلك…، لتبقى الإشكالية التي فرضت نفسها بالقوة: كيف نعتني بمدرس هذه المناطق الذي يحترق يوما بعد يوم في ثغر من الثغور لوأد جهالة هنا وهنالك؟! لقد كان لزاما اليوم تحفيز هؤلاء بسكن وظيفي مثلا وتعويضٍ حسب مدى وعورة العيش في كل منطقة على حدة لتخفيف الآلام وجبر بعض ما يقبل ذلك. وهل يصلح العطار ما أفسده الدهر؟!