الأحد 19 نوفمبر 2017| آخر تحديث 10:25 11/07


التّعلِيم: من عُنْفِ الدولة إلى عُنْفِ المُتعَلِّم

التّعلِيم: من عُنْفِ الدولة إلى عُنْفِ المُتعَلِّم

 

نورالدين برحيلة

استهداف المخزن للتعليم ليس وليد اليوم، سنعود بنصف قرن إلى الوراء، وتحديدا يوم 23 مارس 1965، بمدينة الدار البيضاء، حين قتلت قوات الأمن مدعومة بالجيش المئات من المتظاهرين، معظمهم تلاميذ ثانويات، احتجاجا على قرار وزير التربية الوطنية حينذاك يوسف بلعباس بالطرد التعسفي لكل تلميذ تجاوز سنه السابعة عشر سنة من التعليم الثانوي، سيما وأن الثانويات آنذاك تأثرت وتشبعت بفكر ونضال الطلبة الجامعيين، بل إن مستوى وعي التلاميذ آنذاك كان يتجاوز سنهم بكثير، وهم يؤسسون الحركة التلميذية، وينخرطون في النقاشات الفكرية والحقوقية، تزامنا مع رفض النخب السياسية والفكرية تفقير المغرب ونهب ثرواته، وهو ما جعل الحسن الثاني يرى في المتعلمين أشد الخصوم.

امتدت الاحتجاجات إلى العديد من المدن كمراكش وفاس والرباط، وكانت الحصيلة تتجاوز الألفي شهيدا ضحايا الرصاص الحي والعنف الشديد، وبعد أسبوع دموي ألقى الحسن الثاني خطابا حمل فيه المدرسين مسؤولية هذه المجزرة الرهيبة، متهما إياهم باستغلال المتعلمين لنشر الفوضى، وبدأت حملة اعتقال وإقالة الكثير من المدرسين في جميع الأسلاك.

لقد استوعب المخزن باكرا خطورة التعليم في نشر قيم الوعي والتنوير والمطالبة بالعيش الكريم والتوزيع العادل للثروات، لذلك قرّر مواصلة المعركة ضد التعليم عموديا من القمة نحو قاعدة الشعب، وخلق معركة أفقية يخوضها الشعب ضد التعليم، وهذه المعركة ستكون أجدى وأذكى، لأن كل ضحاياها سيستنجدون بالدولة.

بعدها نهجت الدولة سياسة خطيرة لإضعاف التعليم، من خلال خطاب رسمي يدعي الإصلاح وجعل التعليم القضية الثانية بعد القضية الأولى الوحدة الترابية، وتوجيه ضربات موجعة تحت الحزام لمنظومة التعليم بكل مكوناتها، بدءا:

– بضعف الإنفاق على أهم قطاع يهم حاضر ومستقبل الوطن والمواطنين.

-البطء في بناء مؤسسات تعليمية جديدة، خصوصا الجامعات في المدن الصغيرة والثانويات والإعداديات في البوادي.

-عدم توفير الشروط والظروف الملائمة لاشتغال المدرسين، سيما أساتذة التعليم الابتدائي الذين يشتغلون في قرى تخلت الدولة عنها بالكامل ولم تجهزها بالمرافق العمومية، بل إن الطرق غير معبدة، ناهيك عن تآكل الحجرات الدراسية.

-إتقال كاهل المتعلمين بمقررات دراسية ضخمة، بغية دفعهم للغش، وبالتالي العنف تجاه المدرسين.

-تدخل الدولة في معامل المواد الدراسية والمسألة لا تلاتبط كما يعتقد البعض بواضعي المناهج والبرامج، كلا قرار المعاملات بيد الدولة العميقة.

-قلة الوسائل البيداغوجية داخل المؤسسات التعليمية، مع ظاهرة الاكتظاظ وتكديس المتعلمين داخل الحجرات دون مراعاة أدنى المعايير لخلق مناخ تربوي.

– تكبيل المجالس التربوية بضرورة نقل المتعلمين أصحاب المعدلات المتدنية إلى مؤسسات التكوين المهني والحرفي، ماداموا لا يرغبون في الدراسة، على غرار المجالس التربوية في الدول المتقدمة وصلاحياتها التربوية الواسعة، والغريب أن الكثير من تلامذة الأولى بكالوريا ينجحون بمعدلات تصل 04 على 20، وهو ما يجعلهم كائنات محبطة وعدوانية في الثانية بكالوريا من أجل النجاح والحصول على شهادة الباكالوريا وفق مقولة “حرب الكل ضد الكل”.

-الكثير ممن يتحدثون عن التعليم لا علاقة لهم بالتعليم، مع وجود كفاءات تربوية عملاقة تنظيرا وممارسة في الجامعات المغربية ومختلف المؤسسات التعليمية التي تضم أغلبها مدرسين حاصلين على دبلومات في الدراسات العليا وحملة دكتوراه، ثم يتم تنصيب وزراء لا علاقة لهم بالتربية والتعليم.

-ظاهرة تسيير التعليم من طرف من يجهلون حقله ترتبط أيضا بعدد كبير من مسؤولي الوزارة والمصالح المركزية ومدراء الأكاديميات والمديريات ورؤساء المصالح، وبعضهم متورط في العديد من قضايا الفساد حسب منصبه ومسؤولياته، في حين القامات المعرفية في علوم التربية وسوسيولوجيا التربية وسيكولوجيا التربية ومختلف الحقول التربوية لا يستشارون يعانون الإقصاء.

-إدخال التعليم إلى غرفة الإنعاش بغلق مراكز التكوين حيث يتلقى المدرسون تكوينا لا يقل عن سنة، وفتح المجال أمام الراغبين في التقاعد النسبي من الكفاءات بعدما ضاقوا من العنف المدرسي، وفتح المجال للتعاقد قصد المزيد من التحكم في المدرسين، وتقديمهم بصورة باهتة أمام المواطنين بعدما تخلت الدولة عن تكوينهم.

-غموض الإجراءات التربوية الضابطة لسلوك المتعلمين، مما يجعل المدرسين في مواجهة مع الحالات اللاتربوية، وغالبا ما “يُبدع” المدرسون أساليب خاصة لمواجهة العنف الرمزي والمادي.

-تعنيف الأساتذة المدرسين بشكل وحشي حسب التقارير الوطنية والدولية، والهدف تمرير رسالة إلى عموم المواطنين مفادها أن الأساتذة أشبه بالمجرمين، سيرا على نهج الحسن الثاني حين وصفهم بأشباه المثقفين، والثرثارين وهو ما سيجعل ضعاف النفوس من المواطنين يستخفون بالمدرسين ونشوب سوء فهم دائم بين المواطن وهيئة التدريس.

-نشر وزير الداخلية حصاد للوائح المتغيبين من المدرسين، الهدف منه هو تشويه صورتهم وخلق المزيد من الكراهية نحوهم، فالشفافية تقتضي نشر لوائح جميع الموظفين المتغيبين في كل القطاعات لا المقاربة الانتقائية.

-لذلك لا نستغرب أن يقلد بعض المتعلمين المنحرفين الذين يتعاطون المخدرات ومنهم من يُتاجر في أقراص الهلوسة والحشيش والمواد اللاصقة المخدرة والمتورطين في جرائم السرق والعنف والاغتصاب.. لا نستغرب أن يمارسوا العنف على التلاميذ الأبرياء والمدرسين، لأن المدرسة تستقطب كل الشرائح الاجتماعية.

-غياب مرشدين اجتماعيين ونفسيين علما أن طلبة العلوم الإنسانية المجازين وحاملي شهادة الماستر والدكتوراه يعانون العطالة، مع استعدادهم لخدمة المؤسسة التعليمية، ومساعدة المتعلمين للاندماج في الحياة المدرسية، وتعويض هذا الاشتغال المُمأسس أكاديما بما يسمى بخلايا الإنصات التي يشتغل عليها بعض المدرسين المتطوعين دون أثر كبير يذكر.

– تنامي هشاشة قيم الاحترام ونحن نتذكر كلام الملك محمد السادس في خطابه الافتتاحي للدورة التشريعية لخريف سنة 2007، حين أمر بوضع برنامج استعجالي من أجل تسريع وتيرة إنجاز الإصلاح بعدما جاء توصيف تقرير البرنامج الاستعجالي لأزمة القيم شفافا وصادما، ووجَّه نقدا لاذعا للمدرسة المغربية واصفا إياها بفضاء العنف وانعدام الاحترام، وبصفة خاصة بين المتعلمين والمدرسين، وما نتج عن هذه الوضعية من نفور المتعلم من المدرسة، وتخريبها وتدهور بنياتها التحتية، وتقديم تدابير واعدة لتأسيس ثقافة قيم الاحترام، والتحسيس بمخاطر السلوك العدواني، وعقد شراكات مع السلطات المحلية من أمن ودرك وعدل، وكذا المجتمع المدني لتجفيف منابع العنف، خصوصا وأن أحداث 16 ماي 2003، مازالت تلقي بظلالها، العنف الأسري، العنف في الشارع، العنف في الملاعب، وتنامي الجريمة في صفوف المتعلِّمين، الاغتصاب.. أصبح العنف معيشا يوميا، ودعا التقرير الاستعجالي إلى انخراط كل الفاعلين من أجل تسريع تنزيل الإصلاح، وقد ضم المشروع الاستعجالي 23 مشروعا مجاليا، سمي أحدها ويحمل رقم 10 تأسيس “مدرسة الاحترام” بطبيعة الحال المشروع الاستعجالي دخل خبر كان، بعدما استفاد من أمواله بعض المسؤولين في قطاع التعليم، إضافة إلى الهدر المالي الذي لو استخدم من طرف المختصين في التربية لأفضى إلى جودة التربية والتعليم، وهذا ما لا تريده الدولة.

سبق لي أن أنجزت بحثا في الماستر يحمل عنوان “الفلسفة والتربية على قيم الاحترام” وما أكثر البحوث الجامعية التي ينجزها الكثير من الأساتذة والباحثين ويتم تجاهلها، ومعظم الباحثين في المغرب مستعدين لتأطير المؤسسات التعليمية، التي يجب أن تتجاوز بؤسها الذي رسمته الدولة، نحو الانفتاح على المحيط، وانخراط الجميع في نشر ثقافة الاحترام لحماية المغرب من السقوط في العنف الهمجي.

من هنا نفهم سبب تأكيد الفيلسوف دومينيك لوكور، بأن المستقبل الإنساني مرتبط بالمدرسة، مستشهدا بمقولة الفيلسوف والإبستمولوجي جاستون باشلار بضرورة تضافر جهود “المجتمع من أجل المدرسة وليس المدرسة من أجل المجتمع”2، ويُعلِّق الفيلسوف دومينيك لوكور على هذه الجملة الباشلارية المتفائلة، “بأن مجتمعا إنسانيا جديرا بهذا الإسم لا يمكنه أن يكون غير مجموع مؤسسات تهدف إلى أن تتعلم دوما أكثر عن العالم، وكلما تعلمنا أكثر، تعلمنا الاحترام أكثر.

لطالما قرأت مقالات هِجائيةٍ، كُتِبت بسكاكين بلاغية تذبح المدرسين من الوريد إلى الوريد، بِلُغة تكشف أساليبها أن الذين كتبوها حظوا بمدرسين أكفاء خلال مسيرتهم الدراسية، وكان الجزاء والاعتراف بالجميل هو باقة من الكتابات السوداء تقوم بجلد وصلب الأساتذة على أعمدة الصحف والجرائد، ونشر ثقافة العداء والكراهية والاحتقار تُجاه المؤسسة التعليمية والعاملين بها، والنتيجة انتشار ظاهرة العنف المدرسي، وفق المثل: “من علمني حرفا أشبعته شتما ولكما وصفعا” كان أبشعها ما فعله التلميذ “الملاكم” بخصمه اللذوذ “الأستاذ” بمدينة ورزازات في حلبة ملعب الثانوية التأهيلية سيدي داود، وفاز بالضربة القاضية، بكل سخرية استفزازية، وخِسّةٍ أخلاقية ووقاحةٍ إجرامية.

والأدهي والأمر أن وسائل الإعلام الرسمية، اعتادت تكريس صورة نمطية عن المدرسين، صورة زاخرة بالاستخفاف واحتقار المدرسين إمعانا في سحق كرامتهم، مسايرة لسياسة المخزن الذي أدرك أن منارة تنوير عقول المواطنين تنبثق من المؤسسة التعليمية، سيما وأن معظم الاحتجاجات الخطيرة كانت من رحم المؤسسات التعليمية، لذلك شرع المخزن في توجيه “اللكمات” إلى المدرسة العمومية بكل أسلاكها، لإفراغها من محتواها التنويري وتحويلها إلى فضاء للرداءة بكل تمظهراتها: العنف، الغش، المخدرات، التحرش الجنسي، التخريب، العبث والإفلاس..

الوصول إلى الإفلاس وإعلان “موت المدرسة” كان عبر عمليات تخريب منتظمة وممنهجة، ترتدي لبوس الإصلاح ومراجعة الإصلاح، وتحت الجسر كانت المياه الآسنة تتسرب إلى عمق المنظومة التعليمية، لتلويثها، وخصوصا تلويث صورة المدرس، عبر نشر الأفكار الجاهزة “المدرسون في دائما في عطلة” وتحميل كل أزمات المجتمع إلى المدرسة، كما وُظِّفت “النكتة الماكرة” المطبوخة بعناية للمساس بالقيمة الاعتبارية الرمزية لهيئة التدريس، وسحب بساط احترام المجتمع لهم.

والهدف هو تحويل المدرسين إلى “أكباش فداء” يتحملون فاتورة الأعطاب الاجتماعية التربوية والأخلاقية، بعدما جرَّدهم المخزن من سلطتهم الرمزية، وتم تكبيلهم بالكثير من القوانين والمذكرات التنظيمية، التي تحمل في ظاهرها الرحمة للمتعلمين وفي باطنها الجحيم، مما أفضى إلى واقع العنف والتسيب والفوضى، والخاسر الأكبر هو المواطن التلميذ، الذي يلتحق بالمؤسسة التعليمية، وهو مشحون بالكثير بالصور النمطية التي تشربها من المجتمع حول المدرسة، وسيتصرف داخل فضاءات المؤسسة التعليمية وفق البرمجمة العصبية لهذه الصور السلبية.

أبسط مثال للتشجيع على ممارسة العنف النفسي والبدني على المدرسات والمدرسين وأبسط مثال على هذا فيلم “القسم رقم 8” حيث يُحيلُ المتعلم العبثي حياة الأستاذة إلى جحيم، والتبرير الذي قدمه المخرج هو الوضع الاجتماعي لهذا التلميذ الفاشل الذي أصبح نموذج الكثير من المتعلمين بعد عرض الفيلم وإعادة عرضه، أيضا فيلم “المعلمة” وما حمله من خلفيات خطيرة..

وجود حالات معزولة تُسيء إلى التربية والتعليم، لا يعطي الشرعية لتعميمها، وتسويقها كواقع مُطلق لقطاع التدريس، الذي هو رسالة تنويرية أكثر من كونه مهنة، ألم يكن من الأجدى والأنفع تصوير فيلم أو مسلسل عن حياة الأستاذ والمفكر محمد عابد الجابري.. وغيره كثير.. بدل تضليل الرأي العام بأن كل من يمارس التعليم هو ذئب في وزرة بيضاء.

ثقافة الاعتراف تقتضي تكريم الشرفاء من المدرسين بناة مجتمع المعرفة في مهرجانات ثقافية وبرامج إعلامية، وتخليد نضالهم بتسمية مؤسسات تعليمية بأسمائهم، وسرد كفاحهم في مسلسلات وأفلام رائعة، لا تكريس ثقافة نكران الجميل، وقتل ثقافة الاعتراف بالتضحيات الجسام التي كابدها المدرسون “صناع التمدن” في مدن وبوادي المغرب العميق، عِلما أن الكثير من القرى النائية في المغرب بمسالكها الوعرة، إذ لا توجد بها الطريق المعبدة، وتنعدم فيها كل المرافق الضرورية كالمراكز الصحية والصيدلية..، باستثناء المدرسة أو الفرعية التي يرفرف فوقها العلم الوطني إعلانا بأن هذه المنطقة المنسية هي جزء من خريطة المغرب، وبداخلها مدرس أو مدرسة يستحقان الثناء والاحترام لا الهجاء والاحتقار.

التعليم هو كِلْيَةُ المغرب التي تقوم وبدرجات متفاوتة بتصفية الجهل، وصناعة الإنسان المتمدِّن، وما نُعايشه من مظاهر العنف في المدرسة المغربية، لا ينبغي فصله عن عنف الدولة، وسنوات الرصاص السياسي والاجتماعي والمدرسي، لأن العنف المدرسي في المغرب ينبغي قراءته من القمة نحو القاعدة و ليس العكس، بعيدا عن التمويهات التغليطية للتصورات الإيديولوجية التي تهدف إلى قلب الحقائق..

العنف المدرسي في المغرب يبدأ قبل ولوج التلميذ إلى المدرسة، إنه عنف يرتبط بغياب العدالة الاجتماعية، غياب مشروع مجتمعي واضح المعالم يحفز الفاعلين التربويين والمتعلمين على حد سواء، والطامة الكبرى عدم إنصاف المربين ماديا ورمزيا، وهي تجليات عنف تمارس بشكل مقصود لتيئيس ممارسي مهنة الأنبياء من دورهم في التغيير والزج بهم وراء المعيش اليومي.

في الدول التي ترى في المواطن الثروة الحقيقية كاليابان مثلا، أصدرت الحكومة مؤخرا وثيقة توجيهية لتدريس مادة الأخلاق بما تضمه من قيم وعادات وتقاليد راقية بسبب تراجع الأخلاق وارتفاع معدل العنف والجريمة، والمثير أن هذه المادة التي ستدرس بشكل مستقل ستركز على كل مناحي السلوك اليومي كطريقة المشي وانتقاء الكلمات المهذبة أثناء الحديث مع الناس مع خفص مستوى الصوت أثناء الكلام، وقد صرحت وزارة التربية والتعليم في اليابان أن الهدف من تفعيل مادة الأخلاق وتضمينها العادات اليابانية الحميدة المتلاشية هو تعليم المتعلمين أهمية احترام الذات والغير، لأن الحفاظ على قيم الاحترام بين الأفراد هو أساس تماسك المجتمع.

في المغرب قيم الاحترام تنهار ونحن نتفرج، في مجتمع قاعدة سكانه العريضة من المراهقين الشباب، والكثير من المراهقين يتوهمون أن الوقاحة جرأة والتهور شجاعة والتطاول والفوضى حرية والتشهير شهرة والفضيحة نجومية..، نعم قيم الاحترام تتساقط أمام أعيننا كأوراق الخريف في المدرسة المغربية بكل أسلاكها من الابتدائي إلى الجامعي، بدليل مختلف أشكال عدم احترام حرمة المدرسة “فضاء التربية والتعليم والتكوين” وبانهيار الاحترام سينهار العيش المشترك وسيتمزق نسيج التماسك الاجتماعي، وسيشرئب العنف ويطل بوجهه القبيح.

إن التربية على قيم الاحترام مجال تتقاطع فيه العديد من الحقول المعرفية، انطلاقا من التربية الدينية، والعلوم الإنسانية، وعلوم التربية، والعلوم المجردة والعلوم التجريبية، ووسائل الإعلام، والعمل الجمعوي، والأحزاب السياسية، والأندية الرياضة، والفن بروافده الغنية من مسرح وشعر وموسيقا وسينما.. وبالتالي فالتربية على الاحترام مشروع مجتمعي.

يقول الفيلسوف الألماني كانط Kant “إن هذا الاحترام للذات إذن هو واجب على كل إنسان تجاه نفسه”، مما يجعله يَرتَفِعُ بقيم الاحترام، لدرجة جعلها واجبا أخلاقيا تجاه الذات، وكل تفريط في هذا الواجب ينزِل بالإنسان إلى مستوى الأشياء والكائنات غير العاقلة، إن قيـــم الاحترام تـــنـبثــق من امتلاك الكــــرامــة الإنسانية La Dignité humaine، وبامتلاك الشخص لهذه الكرامة، يرغم كل الكائنات العاقلة الأخرى على احترام ذاته، ويتبادل معها نفس الاحترام على أساس قاعدة المساواة، إن الإنسان غاية في ذاته، وليس مجرد وسيلة، لأهوائه الذاتية أو أهواء الغير، إن الدفاع عن قيم الاحترام وحمايتها والتبشير بها مسؤولية يتحملها كل شخص، وهذا واضح في تحديد كانط Kant لمفهوم الشخص باعتباره “الذات التي يمكن أن تنسب إليها مسؤولية أفعالها”.

تتربَّع الفلسفة الكانطية عرش قيم الاحترام، وبهذا الصدد أستعير مقولة دريدا “إن الديموقراطية التي تخسر الفلسفة هي ديموقراطية في خطر” لأقول: “إن المدرسة التي تخسر الاحترام هي مدرسة في خطر

المواطن لا يولد مواطنا، ولكنه يصبح مواطنا إيجابيا بفضل التربية، والتربية على الاحترام هي أسرع الطرق لتكريس القبول بالاختلاف، ورفض العنف واختيار السلم والعيش المشترك، ونشر المحبة والمواطنة الحية، وتجفيف منابع الحقد والكراهية والاستغلال والعدوانية التي أصبحت تفتك بقيمنا وتنخر هويتنا المغربية.. لذلك ندعو الوزارة الوصية على التربية والتعليم إلى تفعيل مشروع مدرسة الاحترام، عبر ورشات مدرسية يستفيد منها المتعلمون، ونحن على أهبة الاستعداد للتطوع في هذا المشروع الوطني، لإخراج التعليم من أزمته الطويلة.




تعليقات

  • السلام عليكم اتابع موقع تيزنيت بريس اشكركم على هذه المواضيع المهمة واتمنى ان تنجزوا ندوات من اعداد مركز موقع تيزبريس للابحاث والدراسات خصوصا المرتبطة بالقضايا الامازيغية واستضاغة باحثين امازيغيين مثل الاستاذ برحيلة والاستاذ عصيد والاستاذ زغبوش وغيرهم من الباحثين

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *