الجمعة 18 أغسطس 2017| آخر تحديث 10:22 06/16


جريمة تيغمي.. ما لم يُقل

جريمة تيغمي.. ما لم يُقل

يوم أمس، اهتز الرأي العام المحلي والإقليمي لجريمة قتل ذهب ضحيتها شاب في عقده الثالث بعدما تعرض لطعنة سكين قاصر ب”تيغمي”، فانكسر بهذا هدوء قرية مُسالمة بين ثنايا مجال “أدرار”.
ومهما تكن حجم الأسباب والدوافع، فلا أظن بأنها ترقى إلى تلك التي تدفع شابين في مقتبل العمر من أن يضحيا بزهرة شبابهما، ويضعا حدا لحياة آمنة تنتظرهما. فالمقتول –رحمه اللّه تعالى- وُسّد في التراب دفينا عصر اليوم بمسقط رأسه “إداوسملال”، وترك وراءه عائلة مكلومة ستتذكره بين الفينة والأخرى كجرح غائر لا يقبل البرء، والثاني سيقضي عمره سائحا بين السجون، وما يُرافق ذلك من معاناة وقسوة وضياع له ولعائلته ومحيطه، وسيحمل جريرة القتل بين عينيه ويديه وجبهته تُحايثه أينما حل وارتحل.
إلى هنا تبدو الأمور طبيعية للمتتبع البسيط مع بعض التفاصيل الأخرى التي تضفي بهارات على الواقع، يتلذذ بها بعض هواة السمر في المقاهي وتحت الجدران حتى نهاية هذا الشهر الفضيل، وبعدها يُنسى الأمر كأن لم يكن. فيما يغفل الكثيرون أن الواقعة في أدق تفاصيلها سابقة تؤذن بانهدام جدار القيم الذي ظهرت تشققاته غير بعيد، وتُنبئ بمستقبل جديد يصنعه جيل مُغاير للذي سبق في أوساطنا البدوية المُسالمة.
إن الجرائم التي طرقت أسماعنا في العشرية الأخيرة تُؤكد هذا الأمر، وتجعل الجميع يُحسّ بأن المياه غير المياه، وأن أشياء غريبة بدأت تطرق أبواب قُرانا في غفلة عنا، ممّا يُجبرنا على دق ناقوس الخطر قبل فوات الأوان.
فمع التغيرات الحاصلة في البنيات المجتمعية القروية، التي بدأت كرونولوجيا بتعميم الكهرباء، ودخول التلفاز إلى البيوت، وبعده تغول الوسائط التواصلية الحديثة، ظهر جيل جديد إلى السطح، يحاول أن يثير الانتباه جهته، لسبب أو لآخر، فسلك في ذلك طرقا عديدة في العادة والفعل، فنجد الشاب –ظاهريّا- مقبل على “الرّاب” عوض “أحواش”، وأقمصة مشاهير اللاعبين وسراويل ال”دجينز” المُقطعة جهة الركبة عوض “الفوقيا” التقليدية، وتسريحات الشّعر الغريبة، وغير ذلك من الأنماط الاستهلاكية الجديدة، معرضا بذلك عن تحذيرات “مولاي علي شوهاد” في رائعته أواخر القرن الماضي:
” BOB MARLY YOWID LKHSART YALATIF

YOWID ICHBAB RIGI JLONAS AGHARAS
HAQQAN IZD IZOTTA DRSNIN AGHI SOSMN”.
وصاحب هذا الجنوح، تصرّفات عدوانية وعنيفة غارقة في الماضوية فكريّا، في تماه واضح مع مُخلّفات العولمة الثالثة، وما تحمله من إشارات ودلالات الثّورة الكلّية على الماضي وقواعده.
وفي غياب مؤسسات التنشئة الاجتماعية التّقليدية، أو لنقل محدودية أدوارها، فتح الشّارع ذراعيه لكافّة أنماط السّلوك المُؤثّرة، فوجد الجيل الحالي نفسه مُندفعا اتّجاهه بكُلّ عفوية وبلا ضوابط، مع ما يحمله ذلك من خطورة تغذية طابور من الضّحايا مغسولي الدّماغ، ذات القابلية للانبطاح أمام أشكال عديدة من الإدمان والانحراف.
وهذا المنحى ليس بالضّرورة اختيارا إراديا، بقدر ما هو نتيجة تضافر عوامل شتّى تُوجّه السّلوك الإنساني مُجبرا. فالاختيار في أساسه ليس عيبا، والتّربية عليه ليس منشأ خطيئة، بل تحدّيا حقيقيا أمام صناعة الأجيال الصّالحة للمُجتمع حسب ما سطّره “روسو” في عمله الفريد “إميل أو عن التربية -Emil ou de l’education”، الذي شكل به فيما بعد علامة فارقة في مجال التربية الحديثة.
لا يتجادلُ اثنان حول خطورة انسحاب الأسرة والمدرسة في فعل التّربية، وترك المساحة فارغة أمام إعلام مؤثّر وشارع مُنهك بفعل عوامل التّعرية القيمية التي لم تعُد تلوى على وقف نزيف الانحراف.
فالأسرة اليوم، لم تعد تواكب مُستجدّات الفعل التّربوي بوسائل حديثة، بل اكتفت بالطّرق التّقليدية التي لم تعد تُجدي نفعا، مما عرّضها للعجز والقصور في أداء وظيفتها النّبيلة، وأُجبرت على الاستقالة في مُواجهة تحدّيات المرحلة بشكل غير مفهوم، ممّا أكّد في حقّها وصف “الأسرة-مصنع” –حسب تعبير السوسيولوجي البولندي “زيجمونث باومان Zygmunt Bauman”- فأضحت منتجة لكائنات بشرية دون الاضطلاع بمهمّة أنسنتها.
والمدرسة بدورها، باتت تُعاني أزمة قيم، فتوسّع الفارق بين ما كان وما ينبغي أن يكون، وهو ما فطن له المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي لمّا أصدر تقريره حول “التربية على القيم بالمنظومة الوطنية للتربية والتكوين” يناير 2017، مُستصرخا كافّة الفاعلين، ومُسائلا المنظومة التربوية حول قدرتها على التربية والتنشئة، ومقدّما توصيات ومُقترحات للتربية على القيم في الفضاء المدرسي وغيره.
ولأنّ الطّبيعة لا تُحبّ الفراغ، تُرك جمهور عريض من ناشئة الجيل الحالي عُرضة لبؤس وسائل إعلام مُعربدة قلّصت المسافات وجعلت العالم قرية صغيرة، لها القدرة في توجيه العقول والتّأثير على السّلوك، فتمّ لها ذلك.
وفي غياب المراكز الثقافية ودور الشباب ومقرّات التنشيط والتثقيف ومواكبة الشباب والناشئة بعالمنا القروي، ظهرت فضاءات بديلة تحمل في طيّاتها شيئا من البُؤس ونزوعا نحو الانحراف والإدمان والفراغ القاتل.
أملي أن يتمّ تدارك الموقف من الجميع، كلّ حسب موقعه وحجم مسؤوليته لوضع حدّ لما قد يكبُر مُستقبلا ككرة ثلج تتدحرج. ذلك أنّ الأسرة يجب عليها أن تضطلع بعملها التّربوي وفق ما ينبغي أن يكون عليه الأمر، والمدرسة يجب عليها أن تتحمّل مسؤوليتها كاملة، فيما المؤسسات الاجتماعية الأخرى عليها الانخراط في ذات الهمّ المُشترك لا السّباحة ضدّ التّيّار. فقتلُ إنسان، ليس بتلك البساطة التي يتصوّرها البعض، إنّها جناية في حقّ مجتمع هادئ، وضحايا كُثرا، وأسرا مكلومة، وجرسا مُدويّا يُنذر بخطر قادم يتهدّد الجميع.

أحمد إدصالح 




تعليقات

  • بسم الله الرحمان الرحيم بداية نقدم تعازينا الحارة لاسرة الفقيد انا لله وانا اليه راجعون .كما دكرتم اخي الكريم على الكل ان يكد ويجتهد في التصدي لهذا التغيير السلبيى الدي طرأ ويطرأ على مجتمعاتنا المحافظة والمسالمة وعلى السلطة والمجتمع المدني والمدرسة والمسجد ان يعى بحجم المسؤولية الملقات عليه تجاه هاته الضاهرة ولو اقتضى الامر القيام بحملات توعية ووعضية وتربوية وردعية كذالك من طرف السلطة .بحيث ان الاسرة وحدها لن تفلح في فرض تربيتها على شاب اضحى لا يجتمع مع امه الا فوق مائدة الطعام اما باقي وقته فهو موزع بين الانترنيت والحي او الشارع فما يكتسبه في. الخارج اكبر بكثير من مما يلقن في البيت بل في بعض الاحيان ينجح في اقناع العائلة بافكاره وتصرفاته وهنا كدالك ندق ناقوس الخطر حتى على الاسر التي اضحت تسمي الانحلال والانحراف تفتحا وتسمي الطالح صالحا .ارى ان نقطة البداية باختصار شديد هي الضرب من حديد على كل المنحرفين في تلك المجتمعات والتي قد يعرفهم القاصي والداني وعلى الجمعيات المحلية ان تقوم بدورها في التوعية وتنضيم محاضرات ولقائات تواصلية حتي نتمكن من تقليص او تاجيل على الاقل لبضع سنوات ولملا القضاء نهائيا على الفيروس ان صح التعبير الدي يهدد منضومة القيم

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *